الشعب التونسي اكمل نموذجه الديمقراطي المشرف.. واختار رئيسه السبسي بالاقتراع الحر النزيه.. والمرزوقي دفع ثمن اخطاء صعبة.. وهذا ما نتمناه من رئيسها الجديد

عبد الباري عطوان
الشعب التونسي قال رأيه، واختار رئيسه، عبر صناديق الاقتراع لاول مرة في تاريخه من خلال انتخابات حرة، شفافة، ونزيهة، تؤكد حضاريته ووعيه، وتطلعه الى تأسيس مستقبل افضل تسوده العدالة الاجتماعية والمساواة والامن والاستقرار والازدهار الاقتصادي الذي يستحق بجداره، ليس لانه مفجر واحد من اشرف الثورات في الوطن العربي، وانما ايضا لانه قادها الى بر الامان بثقة عالية وتواضع جم وتضحيات كبيرة.
الرئيس الباجي قايد السبسي يستحق قصر قرطاج، كما ان قصر قرطاج يستحقه، فهو الرجل المخضرم الذي يملك رصيدا ضخما من الخبرة والعلاقات الدولية، كما يملك حكمة صقلها السن وطورتها مسيرته الطويلة في دهاليز الحكم لما يقرب من الخمسين عاما، ولا شك ان تونس الشابة تستحق حكمة الشيوخ ولو مؤقتا لتأسيس لمستقبل افضل.
ربما يجادل البعض بأنه متقدم في السن (88 عاما) في بلد يشكل الشباب ستين في المئة من عدد سكانه وكانوا، اي الشباب، عماد الثورة التي اطاحت بحكم الاستبداد وعمودها الفقري، والحراس الامناء عليها لمنعها من الخطف والانحراف، وهذا صحيح، ولكن الشباب، او نسبة كبيرة منهم، هم الذين ذهبوا الى صناديق الاقتراع ولعبوا دورا كبيرا في ايصاله الى مقعد الرئاسة، فهو لم يأت على ظهر دبابة، ولا هبط بمظلة من اعلى، وانما بالانتخاب الشعبي الحر، (حسب النتائج الاولية مساء الاحد).
الدكتور المنصف المرزوقي الذي خرج خاسرا من هذا السباق، وبفوارق بسيطة، استطاع وهو “ابن القاع″ الفقير المعدم، والمناضل الشرس، الذي تعرض للسجن الانفرادي، وحملات كثيرة من التشويش، واغتيال الشخصية من قبل ازلام الحكم السابق، كان يستحق الفوز ايضا لتاريخه المشرف الذي لا يستطيع احد نكرانه في الدفاع عن الحريات، اثناء اقامته في الوطن او في المنفى، لتواضعه الجم وانحيازه للفقراء والمسحوقين.
***
في الديمقراطيات النزيهة الكلمة الاخيرة دائما للشعب صاحب السلطة الاعلى، وهذا الشعب اختار “نداء تونس″ حزب الرئيس السبسي ثلاث مرات، في الاولى عندما اعطاه 85 مقعدا في الانتخابات البرلماينة، وفي الثانية عندما منحه 39 بالمئة من الجولة الاولى في الانتخابات الرئاسية، وها هو يتوجه مجددا حسب المؤشرات الاولية رئيسا لتونس في الجولة الثانية.
الرئيس الباجي السبسي تولى مقعد القيادة (رئاسة الوزراء) في الفترة الصعبة من تاريخ تونس الحديث، اي مرحلة ما بعد الثورة الانتقالية، وقاد البلاد الى بر الامان عندما نظم انتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان المؤقت) الاولى من نوعها، وها هو يستعد لقيادة السفينة التونسية في المرحلة الاكثر صعوبة، التي تتسم بتطلعات شعبية عالية في الاستقرار والازدهار والعيش الكريم بعد ان انهكه ماراثون الانتخابات والاستفتاءات.
رئيس تونس المنتخب بات يملك تفويضا شعبيا واسعا، يتمثل في سيطرة حزبه (النداء) على السلطتين التشريعية والتنفيذية معا، الامر الذي قد يعتبره البعض تكريسا لاستبداد ديمقراطي، واحتكارا للحكم، وربما يكون هذا الاستبداد الذي جاء بالاختيار الشعبي فائدة لتونس، وانسجاما ضروريا لمواجهة التحديات الضخمة التي ستواجهها البلاد في المرحلة المقبلة.
وربما يفيد التذكير بأن حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، مضرب المثل والنموذج الذي يحتذى به معظم الاسلاميين في الوطن العربي، يسيطر على رئاسة البرلمان، رئاسة الجمهورية، ورئاسة المجالس البلدية، ورئاسة الحكومة، ووصل الى كل هذه السلطات التي تركزت في ايدي زعامته من خلال التفويض الشعبي الحر الذي استحقه، لانه انتصر في جميع الانتخابات التي خاضها.
الرئيس اردوغان تولى السلطة في دولة مفلسة، منهارة، غارقة في الديون، واستطاع ان يصل بها في غضون عشر سنوات الى القوة الاقتصادية رقم 17 على مستوى العالم، من خلال ادارة حديثة بعيدة النظر، وتعايش مع كل الفرقاء دون اقصاء او تهميش، وان كان هذا النموذج بات يعاني من بعض الثقوب حديثا وليس هناك المجال للاطناب.
لا نستطيع ان نتنبأ بأن الرئيس التونسي الجديد سيحقق ما حققه الرئيس اردوغان، ولكن التفاف الشعب التونسي حوله وتعاون مختلف القوى السياسية المأمول معه، ربما يحقق الكثير من المعجزات، وفي زمن قصير اذا كتب الله له الصحة وطول العمر.
الرئيس “السابق” المنصف المرزوقي ارتكب اخطاء كبرى لم يكن له يد في معظمها، ابرزها تسليم حكومته للسيد البغدادي المحمودي رئيس وزراء ليبيا السابق الذي استجار بتونس، لدولة فاشلة تسودها الفوضى، وتتحكم فيها الميليشيات، وتفتقر الى الحد الادنى من القضاء ناهيك عن كونه عادلا او مستقلا.. مقابل حفنة من الفضة، وهو الرجل، اي المرزوقي، الذي قضى معظم شبابه مدافعا عن الحريات وحقوق الانسان، مثلما اساء التقدير عندما استضاف الاجتماع الاول لمجموعة اصدقاء سورية في عاصمة بلاده استجابة لضغوط من تركيا وامريكا، واغلق السفارة السورية في تونس وطرد طاقمها، وعرض اللجوء السياسي على الرئيس الاسد، ثم غض النظر عن تدفق اكثر من سبعة آلاف تونسي للقتال في صفوف الجماعات الاسلامية الجهادية في سورية، وقد حاول اصلاح الامر بإعادة فتح سفارة بلاده في دمشق، ولكن تحت مسمى مكتب للخدمات.
لا يخامرنا ادنى شك بأن الشعب التونسي لم يكن راضيا عن هذه السياسات، والا لما منح حزب “المؤتمر” الذي يتزعمه السيد المرزوقي اربعة مقاعد في البرلمان الدائم بعد ان حل في المرتبة الثانية بعد حليفه حزب النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي وفاز بها بـ 30 مقعدا.
ولا بد ان نسجل هنا بأن تونس، التي اقتربت من الوصول الى بر الامان تدين بالكثير من انجازاتها واستقرارها الى الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب “النهضة” الذي تصرف بحكمة وحنكة عندما سحب حزبه من الحكم مستفيدا من دروس التجربة المصرية، عندما ادرك ان البلاد على حافة الانقسام، والعصيان المدني وربما الحرب الاهلية، وبالتالي الانهيار، قبل بحكومة تكنوقراط تقود البلاد وتشرف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية، عندما رفض ايضا خوض اي مرشح لحزبه الانتخابات الرئاسية واعطى لاعضائه حرية التصويت للمرشح الذي يريد التزاما بالحياد، وهو قرار شجاع ستظهر نتائجه في المستقبل القريب.
***
الرئيس السبسي، وبعد ان حصل على هذه التفويض الشعبي، وبات يسيطر على كل السلطات في البلاد، مطالب بتوحيد تونس جنوبها مع شمالها، والقضاء على النزعات الجهوية، والفروقات الاجتماعية، والايمان بمبدأ الشراكة في الحكم، وتوسيع دائرتها وفتح الابواب لكل الوان الطيف السياسي دون اقصاء او تهميش، لان تونس الجديدة تحتاج الى كل سواعد ابنائها، والى وحدة وطنية صلبة اكثر من اي وقت مضى.
رئيس تونس الجديد مطالب بالانحياز الى الفقراء والمعدومين، وتعزيز قيم العمل والعدالة الاجتماعية وتوفير فرص العمل للعاطلين، ومحاربة الفساد وان يكون ابا لجميع التونسيين، كرد لجميل هذا الشعب الذي انتخبه، ووثق به، واعطاه تفويضا مفتوحا بالحكم، ولا ننسى ان نؤكد في هذه العجالة على حتمية وقوف تونس الجديدة الى قضايا الحق والعدالة والحريات، واولها قضية فلسطين التي كان الشعب التونسي وما زال من اكثر المخلصين والداعمين الاوفياء لها في كل الحقب والعصور، واعتبرها قضيته الاولى، التجربة التونسية الديمقراطية المشرفة تستحق دعم العالم بأسره، مثلما تستحق دعم العرب المادي والمعنوي خاصة دول الخليج التي تملك المليارات ليس على شكل منح وانما استثمارات ايضا تعود بالفائدة على الجميع.
نتقدم بكل التهنئة للشعب التونسي الذي اهدانا ثورات الكرامة على الطغاة، وقدم لنا النموذج الابرز في الديمقراطية والاختيار الحر في اطار من المسؤولية والنزاهة، والسلوك المدني الحضاري، مثلما نتقدم بالتهنئة الى الرئيس السبسي بهذا الفوز متمنين له النجاح في مهمته الصعبة في بناء تونس الجديدة على اسس العدالة والحريات والشفافية والمساواة والقضاء المستقل والتنمية الحقيقية لكل انحاء تونس.
العرس التونسي الديمقراطي اكتمل اليوم واعاد تونس الى مكانها الحضاري الذي تستحق.. فألف الف مبروك.

حلف الناتو يريد تقسيم سورية على غرار البوسنه على اسس مذهبية وعرقية.. فما هي فرص نجاح هذا المخطط وكم عدد الدول المقترحة؟ وما هو دور تركيا وحكومات خليجية فيه؟

عبد الباري عطوان
اذا اردنا ان نفهم مخططات الغرب في منطقتنا العربية، فإن من اهم المصادر في هذا الاطار متابعة التصريحات والمواقف التي يقدم عليها الامناء العامين لحلف الناتو الذراع العسكري لامريكا واوروبا، والمطبخ الاهم لوضع الاستراتيجيات العسكرية والعمل على تنفيذها او بالاحرى فرضها بالقوة.
بعد انهيار جدار برلين في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1989 ومعه المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي، خرج علينا جوزيف لوند الامين العام للحلف بتصريحات احتفل فيها بهذا الانهيار، وقال ان علينا الآن ان نبحث عن “عدو جديد” يحل محل الشيوعية المهزومة، واشار الى ان “الاصولية الاسلامية” هي العدو الجديد الذي يجب محاربته دون هوادة والقضاء عليه، وافردت مجلة “الايكونوميست” عدة صفحات لتصريحاته هذه في حينها.
نبوءة لوند صدقت، وان كنت، وما زلت، اعتقد انه كان ينطلق من معلومات مؤكدة لديه، وموثقة في تقارير ودراسات، بمعنى ان حلف الناتو واعلامه وزعاماته استغل هذا الخطر الاصولي المزعوم الذي لا يمكن، بل لا يجب، مقارنته بامبراطورية عظمى مثل الاتحاد السوفييتي تملك آلاف الرؤوس النووية، والغواصات والصواريخ العابرة للقارات باصولية لا تملك الا الاسلحة الخفيفة، استغل هذا الخطر المفبرك من اجل غزو افغانستان واحتلال العراق وتدمير ليبيا.

***

بالامس خرج علينا اندرس فوغ راسموسن الامين العام السابق لحلف الناتو الذي قاد التدخل العسكري في ليبيا، واشرف على الضربات الجوية العسكرية في العراق، خرج علينا بتصريحات في الجلسة الافتتاحية لندوة “السلام في الشرق الاوسط: اللاعبون، المشاكل وسبل الحل” التي نظمتها جامعة حسن قليونجي في ولاية “غازي عنتاب” الواقعة على الحدود التركية مع سورية، (لاحظوا اهمية المكان)، قال فيها حرفيا حول كيفية الحل في سورية “ينبغي تقسيم البلاد في اطار التوزعات الاثنية والدينية عبر اقناع الرئيس الاسد بمغادرة السلطة على غرار ما حدث في البوسنة”.
البوسنة شهدت حربا اهلية بين الصرب والمسلمين بين عامي 1992 و1995 لعبت المخابرات الامريكية دورا كبيرا في تأجيجها ومن ثم انهائها وارسال “مجاهدين عرب” بدعم من المملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى لنصرة اخوانهم المسلمين في وجه المجازر الصربية البشعة التي راح ضحيتها آلاف الابرياء ابرزها مجرة سربرنيتسا.
المجاهدون العرب كانوا مندفعين بغيرتهم على عقيدتهم ودينهم ونصرة اشقائهم، ولم يعرفوا مطلقا الدور الامريكي الغربي في تأجيج الصراع في البلقان من اجل تفكيك وانهيار الامبراطورية السوفييتية العدو الابرز، والاتحاد اليوغسلافي احد ابرز دعائمها، ولكن دولهم كانت تعرف جيدا بتقاصيل هذا المخطط، وتشارك في انجاحه تماما مثلما حدث في افغانستان.
بعد ان بلغت المجاور ذروتها، وبدأ المسلمون المقاتلون يدركون جيدا انهم لن يحققوا حلمهم بإقامة دولتهم المستقلة على كامل ترابهم، عقدت الولايات المتحدة مؤتمرا للسلام في مدينة دايتون الامريكية في نوفمبر عام 1995 تمخض عن اتفاق بتقسيم البوسنة والهرسك الى دولتين: الاولى فيدرالية البوسنة والهرسك يتناوب على حكمها المسلمون الصرب، والثانية جمهورية صرب البوسنة وهي خاضعة لحكم الصرب، كما أدت إلى انتشار قوات حفظ السلام الدولية الإيفور.
المستر راسموسن يؤيد تطبيق هذا الاتفاق، او نسخة معدلة منه في سورية، تماما مثلما حدث في البوسنة، ولكنه لم يقل في مداخلته تلك كم عدد الدول التي ستنشأ في سورية وفق الحل الذي يقترحه، فهل ستقسم الى ثلاث دول: علوية وسنية، ودرزية، ام الى اربع دول، اي اضافة دولة اخرى للاكراد في الشمال، ثم ما هو مصير “الدولة الاسلامية” التي تتربع حاليا على نصف العراق وثلت سورية، وتحكم حوالي ثمانية ملايين مواطن من البلدين ومرشحة للتوسع، هل سيتم الاعتراف بها كأمر واقع لاحقا، ولم لا، الم تعترف واشنطن بحكومة طالبان وتوعز بفتح سفارات لها في ابوظبي والرياض واسلام اباد؟
من يتابع تفاصيل حرب البوسنة في التسعينات، وتدخل الطائرات الامريكية في اطار حلف الناتو عسكريا وقصفها لصربيا، وتفتيت البلاد واقامة عدة دول في يوغوسلافيا (كوسوفو، البوسنة، صربيا، الحبل الاسود، كرواتيا) يجد ان السيناريو نفسه يتكرر حاليا في سورية، فخطوط التقسيم للدول الجديدة المقترحة تتبلور، والقصف الجوي الامريكي في بداياته، ويزداد كثافة، والصراع المذهبي والمناطقي يتصاعد ويجد دعما خارجيا، والجهاديون يتدفقون من منطقة الخليج ودول عربية واسلامية اخرى؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عما اذا كان هذا السيناريو الذي “يبشر” به المستر راسموسن يمكن ان ينجح في سورية مثلما نجح في البوسنة؟
الرجل نفسه اجاب على السؤال نفسه بالقول “هذه الصيغة ليست الحل الامثل، اذ تعد الخلافات الدينية، والاثنية والعرقية في سورية اعمق بكثير من نظيراتها في منطقة البلقان” ولكنه كان مصرا في مداخلته على ان التقسيم هو الحل الاكثر ترجيحا.
***
هناك امران مهمان يجب التوقف عندهما بعد عرضنا لمثل هذا السيناريو المدمر، والمغزى من وروده على لسان صاحبه ومكانته، والاهداف المرجوة من طرحه في هذا التوقيت:
• الاول: ان السلطات السورية ستكون منزعجة منه حتما، ولكنها ستكون مرتاحة له من ناحية اخرى، منزعجة لانه ربما يكشف عن النوايا الغربية المستقبلية لمرحلة ما بعد “القضاء” على الجماعات الاسلامية في سورية مثل الدولة الاسلامية، وجبهة النصرة، واحرار الشام، والاولى على وجه الخصوص.
• الثاني: ان انعقاد هذه الندوة في جامعة تركية في ولاية غازي عنتاب الحدودية التي تعتبر “مطبخ” الانشطة السياسية والعسكرية للحرب لاسقاط النظام في سورية يوحي بأن الحكومة تقف خلف هذا السيناريو التفتيتي لجارها السوري، او لا تعارضه في افضل الاحوال.
انه مخطط رهيب وخطير يسلط الاضواء على كل ما حدث ويحدث من وقائع وتدخلات في سورية على مدى السنوات الاربع الماضية، واذا قدر له ان ينجح، فانه سيطبق في دول عربية اخرى، ابتداء من العراق، ومرورا بمصر، وانتهاء بالمملكة العربية السعودية.
هل انتفض الشعب السوري، بتحريض من دول اقليمية وعربية خليجية، وامبراطوريات اعلامية ضخمة، من اجل التوصل الى الديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية، ام من اجل تفتيت بلاده ووحدتها الجغرافية والديمغرافية على اسس عرقية ومذهبية؟
نكتفي بطرح الاسئلة في هذه المقالة، لاننا نعرف الاجابة عن ظهر قلب، ولهذا رفضنا ان نكون من بين المخدوعين عندما بدأت ملامح هذا السيناريو في الظهور الى العلن تدريجيا.

دمشق تطلق رصاصة رحمة مبكرة على مبادرة دميستورا.. وزيارة ابن عم الاسد لمصر اختراق مهم.. والنظام السوري لن يعود للجامعة العربية في ظل وجود العربي

عبد الباري عطوان
من تابع لقاء الرئيس السوري بشار الاسد مع وفد يمثل جاليات فلسطينية في اوروبا يلحظ شعوره بالارتياح والثقة، مثلما يلحظ ابتسامة لم تفارق وجهه في الوقت نفسه، هذا الارتياح ينعكس ايضا في مواقفه الاخيرة خاصة رفضه المفاجيء وجود قوات تابعة للامم المتحدة للفصل بين قوات النظام والمعارضة، ومراقبة اي وقف لاطلاق النار يمكن ان يتم التوصل اليه وفقا لمبادرة ستيفان دميستورا المبعوث الدولي الى سورية، بعد ان ابدى مرونة تجاهها ووعد بدراستها.
اصرار السلطات السورية على عودة قواتها الى حلب في شقيها الشرقي والغربي يعني رفضا واضحا لمباردة دميستورا، وتبدد الكثير من الآمال التي انعقدت عليها لايجاد مخرج سياسي للازمة السورية ووقف اعمال القتل، وهذا يعني انتكاسة كبيرة لهذه المبادرة بعد الانتكاسة الاولى التي نجمت عن رفض المعارضة لها بصورتها الحالية وطلب ادخال تعديلات عليها.

***

الرئيس الاسد يشعر بالارتياح لان جميع خصومه تقريبا يعيشون مآزق متعددة باتت تشغلهم عن الازمة السورية، وتخفف من درجة تورطهم فيها من خلال دعم المعارضة السورية المسلحة.
فالسيد رجب طيب اردوغان جاره الشمالي بات يخوض حربا داخلية شرسة ضد منتقديه في وسائل الاعلام التركية، تطورت الى درجة اعتقال اكثر من عشرة صحافيين، وتوجيه تهمة دعم الارهاب الى اثنين منهم يعملون في صحيفة “زمان” واسعة الانتشار في البلاد، والشيء نفسه يقال عن المملكة العربية السعودية التي تتزايد فيها اعمال القتل لرجال الامن على يد عناصر تنتمي الى “الدولة الاسلامية” وتنظيم “القاعدة”.
ولعل التغيير الاكبر الذي يعزز من ثقة الرئيس الاسد الانقلاب الكبير في الموقف الامريكي، فمن الواضح ان الرئيس باراك اوباما بات ينسحب تدريجيا من الملف السوري لمصلحة مواجهة خطر “الدولة الاسلامية”.
وصول السيد عماد الاسد ابن عم الرئيس الاسد ورئيس الاكاديمية البحرية في اللاذقية الى مصر في زيارة غير معلنة يشكل اختراقا كبيرا للمعسكر العربي المعادي للنظام السوري، وخطوة مهمة لتطبيع العلاقات بين البلدين اي مصر وسورية، يمكن ان تحدث تغييرا في المنطقة، وتغير من مواقف جامعة الدول العربية تجاه الازمة السورية.
السلطات السورية ترفض رفضا قاطعا العودة الى الجامعة العربية، او اي حديث حول فك التجميد المفروض على عضويتها فيها، وتتخذ موقفا معاديا منها ومن امينها العام الحالي السيد نبيل العربي، ولذلك من الصعب تصور حدوث اي اتصالات بين الجانبين، اي الجامعة وسورية قبل انتهاء مدة السيد العربي، حسبما اكد مصدر لبناني مقرب من القيادة السورية.
استقبال السيد عماد الاسد في مصر لا يتم في اطار مبادرة مصرية، وانما في اطار تحول كبير في موقفها وانتقالها من حالة “شبه الحياد” الى مرحلة توثيق العلاقات تدريجيا مع دمشق، وفتح ابواب القاهرة مجددا امام المسؤولين السوريين، ولذلك من غير المستبعد ان يكون الزائر السوري القادم للعاصمة المصرية السيد وليد المعلم او نائبه السيد فيصل مقداد، وبتشجيع من المملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى، بدأت سياساتها تبدو اقل حدة مما كانت عليه قبل عام، سواء على صعيد دعم المعارضة، او تجاه المطالبة بإسقاط النظام السوري وضخ المليارات واطنان الاسلحة من اجل ذلك.

***

المعسكر الآخر المضاد للنظام السوري يخسر بشكل متسارع في ميادين القتال الاكثر اهمية، فاللواء خليفة حفتر يتقدم في ليبيا، والانباء القادمة من هناك تؤكد انه بات يسيطر كليا على مدينة بنغازي، ومعظم الشرق الليبي، ويحظى بدعم شعبي متزايد، علاوة على الدعم الاماراتي والمصري والامريكي، والحوثيون باتوا القوى المهيمنة في اليمن، والجماعات الاسلامية المتشددة تنقل عملياتها العسكرية الى دول الخليج.
من كان يتصور قبل اربع سنوات ان الرئيس السوري سيظل في موقعه، ويستقبل الوفود الشعبية، ويرسل مبعوثه الى مصر وغيرها، ويعيد فتح سفارة بلاده في الكويت وغيرها؟
الشعب السوري بدأ يدرك انه كان، مثل شعوب عربية اخرى، ضحية عملية تضليل وكذب وخداع من امريكا وحكومات عربية عديدة، عنوانها انفضاض هذه الدول عنه، وتركه لمصيره وسط الخراب والدمار ومعاناة المنافي والمتاجرة فيه وبدمائه.
هل من قبيل الصدفة ان “عدادات” احصاء القتلى والجرحى في سورية توقفت او تباطأت، بشكل كبير هذه الايام بالمقارنة مع اعوام ماضية؟

هل تمهد السعودية لحظر “النقاب” بعد منع “الجهاد” لاسباب امنية؟ وكيف سيكون رد العلماء والاصوليين؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

عبد الباري عطوان
فجر رجل الدين السعودي المعروف احمد الغامدي جدلا فقهيا غير مسبوق طوال الايام الثلاثة الماضية بعد ظهوره، وزوجته الى جانبه، في برنامج تلفزيوني بثته قناة “ام بي سي” سافرة الوجه في تحد غير مسبوق للتقاليد الصارمة في المملكة العربية السعودية، حيث يعتبر النقاب اللباس شبه الاجباري للمرأة في هضبة نجد على وجه الخصوص، تطبيقا لتعاليم الامام محمد بن عبد الوهاب ودعوته الوهابية.
الغالبية الساحقة من المتدخلين في هذه القضية، سواء من رجال الدين او من خصومهم الليبراليين، خاصة في وسائط التواصل الاجتماعي من “فيسبوك” او “تويتر” ركزوا على جوانبها الدينية، ولجأوا الى التنقيب في المراجع الفقهية، والتفاسير القرآنية لتأييد وجهة نظرهم بهذه الفتوى الشرعية او تلك، وتناسوا كليا الجوانب الامنية والسياسية الاهم لهذه المسألة.
لا شيء يأتي بمحض الصدفة هذه الايام في الممكلة العربية السعودية ودول الخليج، فكل شيء محسوب بعناية فائقة، وفي اطار استراتيجية مستقبلية متفق عليها، خاصة عندما يتعلق الامر بقضايا فقهية مجتمعية لها علاقة بالاسلام السياسي بطريقة مباشرة او غير مباشرة، فحتى اشهر معدودة كان الحديث عن عدم شرعية النقاب و”اباحة” السفور من التابوهات او حتى من “الكبائر”.
وسائل الاعلام السعودية، خاصة تلك التي تصدر من خارج المملكة، مثل محطة “ام بي سي” واخواتها، التي انطلقت في صيف عام 1991 من لندن، اي بعد “تحرير” الكويت مباشرة، هي احد الادوات الرئيسية التي يجري توظيفها في خدمة الايديولوجيات والاجندات السعودية الجديدة التي ترمي الى احداث تغييرات مجتمعية وسياسية تحارب الاسلام السياسي المتشدد وتعيد صياغة العقل السعودي بعيدا عن الفكر الوهابي المتشدد وفي اطار التحالف الاعمق مع الاستراتيجيات الغربية في المنطقة.
السعودية تواجه خطرا اسلاميا اصوليا جاء من صلبها، ويتبنى افكار “مذهبها” الوهابي، ويتمثل في “الدولة الاسلامية” وفكر تنظيم “القاعدة”، وهي ايديولويجة فكرية تتبنى “الجهاد” للاطاحة بالانظمة الديكتاتورية التي لا تطبق الشريعة الاسلامية وفق تفسيرات وفتاوى السلف الصالح وكبار الائمة والعلماء على حد وصف منظري هذه الجماعات وكبار علمائها.

***

واذا عدنا الى الوراء قليلا، وبالتحديد الى الربيع الماضي على وجه التحديد، عندما بدأت محطة “ام بي سي” ومن خلال برنامج الزميل داوود الشريان (الثامنة) حملة شرسة ضد الدعاة السعوديين الذين يحرضون الشباب السعودي على “الجهاد” في سورية، وسمت اسماء العديدين منهم مثل الشيوخ سلمان العودة، ومحمد العريفي، وعدنان العرعور، وقالت انها تدفع بهؤلاء الشباب الى التهلكة، ثم تبين بعد ذلك ان الهدف من هذه البرامج التمهيد لمراسيم سعودية تجرم كل من يحرض او يخرج للجهاد خارج اراضي المملكة، وفرض عقوبات كبيرة على هؤلاء تصل الى السجن 15 عاما.
ربما تكرر محطة “ام بي سي” هذه الايام السيناريو نفسه بكسر “محرم” في المملكة العربية السعودية جرى فرضه لاكثر من 14 قرنا، وتصديره الى دول ومجتمعات خارجها، اي “النقاب”، ولمصلحة الترويج لـ”السفور” كبديل، باعتباره الاكثر عصرية ولا تتناقض مع الدين واصوله، وحشد كل الدعاة ورجال الدين الذين يؤيدونه لدعم هذا التوجه بالحجج والبراهين والادلة الشرعية، ومن هنا جيء بالشيخ احمد الغامدي وزوجته الى شاشة قناة “ام بي سي” دون غيرها.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن توقيت هذا التحرك المدروس بعناية لمحاربة النقاب او التقليل من شرعيته، والاهداف المرجوة منه لاحقا خاصة ان المملكة وعلماءها شنوا حملات شرسة ضد دول غربية مثل فرنسا قررت منع “النقاب” في الاماكن العامة، واعتبروا ذلك منافيا للاسلام وللحريات الدينية؟
الاجابة بسيطة للغاية، ويمكن استخلاصها من حادثين خطيرين، الاول عندما تسللت “منقبة” الى سوق تجاري في مدينة ابوظبي وذبحت مدرسة امريكية في احدى حماماتها، بسكين اخفته تحت ملابسها، والثانية عندما تستر اكثر من خمسة شبان ينتمون الى تنظيم متشدد يعتقد انه “الدولة الاسلامية”، خلف النقاب، وحاولوا اختراق الحدود اليمنية السعودية في حافلة صغيرة، لتنفيذ هجمات في العمق السعودي، حيث جرى العثور على احزمة ناسفة واسلحة ومتفجرات في حوزتهم بعد قتلهم من قبل قوات حرس الحدود، ولا بد ان احداث مشابهة كان للنقاب دور كبير فيها ولكنها لم تنشر.

***

في تقديرنا ان “النقاب” بات يشكل خطرا امنيا في نظر اجهزة الامن السعودية ودول الخليج، ولذلك لا نستغرب وجود توجه رسمي لمنعه منعا مطلقا للحيولة دون استخدامه في اخفاء هويات المطلوبين من النساء والرجال الذين قد يلجأوا اليه لاخفاء وجوههم وهويتاهم في الوقت نفسه.
المحطات السعودية التي تصدر خارج حدود المملكة ادوات سياسية شديدة التأثير وخاصة في المجتمع السعودي، فهي التي قادت وتقود الحرب الاعلامية في سورية والعراق وليبيا ومصر واليمن، وتساند طرفا في مواجهة آخر، وهي التي تنقل الحياة الغربية والامريكية عامة الى قلب المجتمعات العربية من خلال عرض برامج ومسلسلات ذات شعبية عالية تحت مسمى “التحديث والعصرية”، مثل “آراب ايدول” و”فويس″ و”آراب غوت تالنت”، وهي برامج ومسلسلات تستحوذ على عقول الشباب رجالا ونساء، وتتحدى المؤسسة الدينية الرسمية المتزمتة حسب وصف القائمين على هذه المحطات.
انتظروا قرارات سعودية تدريجية لمنع ارتداء “النقاب” او الحد من ارتدائه في اماكن معينة، وذلك لاسباب امنية ليس بناء على فتاوى او تفسيرات شرعية تبطل ارتدائه، ولا تعتبر السفور خروجا على الاسلام.
لا نستبعد ان يتم الغاء هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية” بشكل تدريجي، او استبدال دورها بحيث يتم فتح فرع نسائي اكبر لها، يتولى الدعوة الى السفور، ومحاربة النقاب، فمن كان يتوقع الحرب السعودية الشرسة ضد الاخوان المسلمين الذين كانوا الاكثر احتضانا من قبل المملكة لعقود، حتى انه عهد اليهم صياغة ووضع المناهج الدراسية في عصرهم الذهبي في فترتي الستينات والسبعينات.
الاعتبارات الامنية تتقدم على كل ما عداها في المملكة العربية السعودية في ظل تصاعد الهجمات على قوات الامن والشرطة من قبل الجماعات الاسلامية المتشددة، فلا يمر اسبوع دون مقتل رجل امن سواء من المتشددين السنة او الشيعة، ولا نستبعد ان تتقدم هذه الاعتبارات على جميع ما عداها حتى لو تمثلت في “النقاب”.
راقبوا محطات شبكة “ام بي سي” لكي تتعرفوا على القرارات والخطوات والمتغيرات السعودية القادمة.

لا يحتاج نتنياهو لتحذير كيري من وصول المتشددين الاسلاميين الى ضواحي تل ابيب فهم في طريقهم اليها والقدس المحتلة ايضا.. والعمر الافتراضي لسلطة عباس اوشك على الانتهاء.. وحلفاؤه العرب سيعانون ايضا

لا يحتاج نتنياهو لتحذير كيري من وصول المتشددين الاسلاميين الى ضواحي تل ابيب فهم في طريقهم اليها والقدس المحتلة ايضا.. والعمر الافتراضي لسلطة عباس اوشك على الانتهاء.. وحلفاؤه العرب سيعانون ايضا

عبد الباري عطوان

لا يحتاج بنيامين نتنياهو الى تحذير جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي سيلتقيه غدا (الاثنين) في روما بأن اجبار اسرئيل على الانسحاب لخطوط 1967 خلال سنتين سيؤدي الى قدوم جبهات الاسلام السياسي المتطرف الى ضواحي تل ابيب، لان ما حذر منه هو الخيار الوحيد المتبقي بعد ان اهان “المعتدلين” الفلسطينيين والعرب واذلهم بسياساته الاستيطانية وحروبه العدوانية وما يرتكبه من مجازر وجرائم حرب، واضاع فرصا ذهبية للسلام والتعايش.
المتشددون الاسلاميون، سواء كانوا فلسطينيين او عربا لن يصلوا الى ضواحي تل ابيب فقط، وانما الى قلب القدس المحتلة ايضا، لانه وبكل بساطة لم يبق غيرهم على الساحة، والسلطة الفلسطينية التي منعت المقاومة طوال العشرين عاما من خلال قواتها الامنية المتواطئة مع الاحتلال افلست سياسيا واخلاقيا وماليا، وباتت على وشك الانهيار، سواء ذهب الرئيس محمود عباس الى الامم المتحدة وعاد بقرار من مجلس الامن بتحديد سقف زمني لانهاء الاحتلال او لم يذهب.
***
فاذا كان هذا “الاسلام المتشدد” يضرب في ابو ظبي والرياض، ويصمد اكثر من شهرين في عين العرب (كوباني)، ويسيطر على نصف العراق وثلث سورية، ويعزز وجوده في دول الاتحاد المغاربي واليمن والصومال ودول الساحل وسيناء، ويقتل 5000 شخص في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) فقط، حسب احصاءات موثقة، فلماذا تظل تل ابيب محصنة ووادعة وآمنة، ويتنعم مستوطنيها بشمسها وبحرها وسمكها وبرتقالها، وتواصل حكومتها نهب الارض وقتل الفلسطينيين وقلع اشجار زيتونهم، واغتيال وزرائهم ومتظاهريهم العزل؟
منظمات الاسلام السياسي ستتمدد وستصل الى الضفة الغربية حتما، والمسألة مسألة وقت لا اكثر، ولن يستطيع امن الرئيس عباس منعها لسبب بسيط لان كل الذرائع التي كان يستخدمها في السابق لتبرير تواطئه مع الاحتلال، والتنسيق الامني معه، سقطت بشكل مخجل، فالعملية التفاوضية فشلت، والدولة الفلسطينية لم تعد تجد ارضا لكي تقوم عليها، ومؤسسات السلطة “شاخت” ورئيسها بات يهذي، والانتفاضة “الفتحاوية” باتت وشيكة، واتفاق اوسلو الذي اسس لكل هذا الهوان اصبح في سلة قمامة التاريخ.
والغريب ان البعض يجادل هذه الايام بأن الاسلام السياسي حليف لامريكا، ولذلك لن يقاتل اسرائيل، والرد على هذا الجدل بسيط، وهل حركتا “حماس″ و”الجهاد الاسلامي” من نسل كفار قريش؟ وماذا عن الذين يتحالفون وينسقون مع امريكا وضرباتها في العراق وسورية وكردستان؟ افيدونا افادكم الله.
نعم هناك من يتحالف مع الاحتلال الاسرائيلي من فصائل سورية معارضة، ويرسل جرحاه للعلاج في مستشفيات تل ابيب وهضبة الجولان، وهؤلاء يرتكبون اكبر الكبائر، ولكن هؤلاء اقلية مصيرهم سيكون اسوأ من نظرائهم في جيش انطوان لحد في جنوب لبنان الذين باتوا يتسولون لقمة العيش في شوارع تل ابيب بعد ان تخلى عنهم مستأجروهم واستنفذوا اغراضهم منهم وقذفوا بهم الى مصيرهم البائس.
الرئيس محمود عباس ليس سيدنا آدم عليه السلام حتى يعيش الف عام، واستعباده الشعب الفلسطيني من خلال الرواتب بدأ يفقد مفعوله لان من يدفع لهم الرواتب شاخوا مثله، وباتت شريحتهم تتناقص امام جيش جرار من الشباب الغاضب المحبط المتمرد على السلطة وعلى آبائه الذين يعملون فيها، ويعتاشون على فتاتها، ويعانون من الكآبة والخجل من واوضاعهم، ومعظم هؤلاء (الآباء) من المناضلين والوطنيين الشرفاء، تعرضوا لخديعة دولية عربية كبرة اسمها اتفاقات اوسلو.
الخناق يضيق على اسرائيل وشعبها وقياداتها، مثلما يضيق ايضا على بعض الحكومات العربية التي تواطأت، وتتواطأ معها، واستجارت بها خوفا من التهديد الايراني، لان اسرائيل نفسها باتت تبحث عمن يجيرها في ظل انقلاب الموازين والمعادلات في المنطقة، في ظل تحالف امريكي ايراني متصاعد، وفشل كل الضغوط والتهديدات لايقاف البرنامج النووي الايراني وتدمير منشآته وتجميد اعمال التخصيب، وصعود الدور الروسي، وتبدل الاولويات الامريكية والغربية.
اسقاط المشروع “الاخواني” كليا او جزئيا في المنطقة العربية لن يحقق الامن والاستقرار لاسرائيل، ولا للدول العربية المعتدلة، لان حركة الاخوان المسلمين ارتكبت في نظر الكثيرين خطأ استراتيجيا كبيرا عندما اعلنت الجهاد بعد وصولها الى الحكم ضد العديد من الانظمة العربية ولم تركز على القضية العربية الاوبى وتضعها على قمة اولوياتها، واخراجها من الساحة، اي حركة الاخوان، من خلال اسقاط حكوماتها في اكثر من عاصمة عربية ووضعها على قائمة الارهاب، خلق فراغا ستملؤه حتما الجماعات الاسلامية المتشددة التي لا تؤمن بالحوار، وتحتكم الى السلام وتتبنى ايديولوجية “الجهاد” والعنف “والارهاب”.
حصار حركة “حماس″ في قطاع غزة التي ترفع لواء المقاومة وخنقها، وتجويع مليوني فلسطيني تحت مظلة حكمها، لن يصب في مصلحة سلطة الرئيس عباس المفلسة، وانما في قناة الجماعات المتشددة سواء كانت متمثلة في اجنحة حركة “فتح” الشابة الثورية “المؤمنة” وهي الغالبية الآن، او تلك التي تتبنى فكر “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” وتنظيم “القاعدة” المركزي.
***
الفراغ الحالي لن يعمر طويلا على الارض المحتلة والمنطقة، وثقافة المقاومة بدأت تستعيد عافيتها، وتعمق جذورها، نتيجة الخذلان العربي والاسلامي، فهي الوحيدة التي توحد بين المذاهب، وتتجاوز كل صور الاستقطاب الطائفي السائدة حاليا بفعل الفتنة الامريكية الاسرائيلية العربية المشتركة، ومرجل الغضب الذي يغلي حاليا سينفجر حتما في غضون اشهر ومن يقول غير ذلك لا يعرف المنطقة وشعوبها، ولا يقرأ تطورات الاوضاع فيها بطريقة موضوعية متعمقة.
ومثلما يتحمل السيد نوري المالكي والاحتلال الامريكي الذي غض النظر عن ممارساته الطائفية الاقصائية الفاسدة مسؤولية توفير البيئة الحاضنة التي هيأت المناخ لنمو “الدولة الاسلامية” واشتداد عودها في العراق وسورية لاحقا، فإن بنيامين نتنياهو وحروبه، واستكانة الرئيس محمود عباس وتواطؤ سلطته، وفرا البيئة الحاضنة لمقاومة جديدة مختلفة واكثر شراسة، مقاومة اسلامية متشددة هي “كوكتيل قاتل” من شباب “فتح” المؤمن وباقي التيارات الاسلامية الاخرى، وسياتي اليوم الذي تترحم فيه اسرائيل على “حماس″ واعتدالها بالمقارنة بما هو قادم.
اسرائيل هي المستفيد الاكبر من الاستقرار والامن في المنطقة، ومن يجادل بغير ذلك نسأله سؤالا محددا، ماذا جنا المواطن العربي من هذا الاستقرار على مدى نصف قرن ونيف، غير القمع، والفساد، ونهب الثروات، والتعليم المتخلف، والخدمات الطبية المخجلة، والقضاء المسيس، والعدالة العوراء، والقائمة طويلة، والتواطؤ مع اسرائيل والصمت على جرائمها وحروبها وتهويدها للمقدسات؟
فاذا كان البديل هو الفوضى الدموية فإن المتواطئين مع الاحتلال الاسرائيلي واستيطانه وحروبه العدوانية، هم الذين مهدوا لها وعليهم ان يتحملوا مسؤوليتها ويدفعوا هم واسرائيل ثمنها مهما كان باهظا.

طبخة “بوغدانوف” السورية: تطبيع العلاقات بين دمشق وواشنطن وبدء صفحة جديدة عنوانها تكريس شرعية نظام الاسد والتعاون عسكريا ضد “الدولة الاسلامية”.. فهل اقتربت من النضج.. وما هي حصة المعارضة؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف مواصفات “الطبخة” الدبلوماسية التي يعكف ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي على اعدادها بشأن كيفية الوصول الى “حل سياسي” للازمة السورية، وما اذا كانت هذه الطبخة قد اوشكت على النضوج ام لا، فالرجل الذي لم يترك حجرا يتعلق بهذه الازمة الا وقلبه، يتنقل مثل “النحلة” بين دمشق وبيروت واسطنبول ويلتقي عشرات المسؤولين في العواصم الثلاث، ابتداء بالرئيس السوري بشار الاسد، ومرورا بقادة المعارضة السورية ومضيفهم من المسؤولين الاتراك، وانتهاء بالسيد حسن نصر الله امين عام حزب الله، وكان لافتا انه تجنب زيارة اي عاصمة عربية، وخليجية على وجه الخصوص، ولم يلتق بأي من زعماء او وزراء خارجية الدول العربية التي تدعم، او كانت تدعم المعارضة السورية المسلحة على مدى ثلاث سنوات بالمال والسلاح.
اليوم “الجمعة” خرج بوغدانوف قليلا عن صمته، والقى بتصريح “قنبلة” الى وكالة “ريا نوفوستي” الروسية قال فيه “ان بلاده جاهزة لدراسة استضافة مفاوضات امريكية سورية في حال تقدمت الحكومة السورية بطلب من هذا النوع″، واضاف “في حال تقديم هذا الطلب سنجري اتصالاتنا مع الاطراف المعنية بهذا الشأن”.
هذا كلام على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا، ليس لانه غير مسبوق، وانما لانه يشكل اختراقا كبيرا في الازمة السورية، ويؤشر الى احتمالات حدوث انقلاب حقيقي في الموقف الامريكي تجاهها.
فعندما يقول بوغدانوف ان موسكو جاهزة لدراسة استضافة مفاوضات امريكية سورية في موسكو في حال تقدم الحكومة السورية بطلب من هذا النوع، فإن هذا يعني، ودون اي عناء، ان الطلب السوري ربما يكون موجودا “في جيبه”، وحصل عليه اثناء لقائه يوم امس بالرئيس السوري بشار الاسد في القصر الجمهوري.

***

لا نعتقد ان سورية ستتردد للحظة واحدة في التقدم بهذا الطلب، كما اننا نجزم بأن الادارة الامريكية هي التي اعطت نائب وزير الخارجية الروسي الضوء الاخضر للمضي قدما في مبادرة بلاده الحالية لتهيئة الاجواء لمفاوضات مباشرة بين السلطة السورية والفصائل المعارضة لها.
السلطات السورية قطعا سترحب بأي لقاءات مع مسؤولين امريكيين في موسكو او حتى في واشنطن نفسها، لان هذه اللقاءات، في حال حدوثها، شبه متوقع ووشيك، ستعني اعترافا امريكيا بشرعية النظام اولا، واستعدادها للتعاون معه في مواجهة الجماعات الاسلامية المتشددة وخاصة “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” و”احرار الشام”.
وربما يفيد التذكير بأن المبعوث الروسي بوغدانوف ادلى بتصريح على درجة كبيرة من الاهمية عند وصوله الى مطار دمشق، عندما قال انه “جاء للقاء القيادة الشرعية السورية والتباحث معها حول كيفية التوصل الى حل سياسي”، فلم اسمع انا شخصيا مثل هذه العبارة، وبمثل هذا الوضوح، منذ بداية الازمة السورية، فكل التصريحات التي ادلى بها المسؤولون الروس كانت “ممغمغة” وتمسط الهصا من الوسط.
الاسابيع الاخيرة شهدت “غزلا” غير مباشر بين الادارة الامريكية والحكومة السورية، بدأ بترحيب السيد وليد المعلم وزير الخارجية، وفي مؤتمر صحافي عقده عندما اعلنت ادارة الرئيس باراك اوباما بدء الضربات العسكرية الجوية لتجمعات “الدولة الاسلامية” داخل سورية، بمثل هذه الضربات واستعداد حكومته للتنسيق مع واشنطن في حربها ضد “الارهاب”.
وبلغ هذا الغزل ذروته عندما كشف الرئيس بشار الاسد في حديث لمجلة “باري ماتش” الفرنسية عن شكوكه في نجاح الضربات الجوية الامريكية هذه، وقال انها لن تحقق اهدافها في اضعاف ومن ثم القضاء على “الدولة الاسلامية” الا من خلال وجود قوات على الارض تعرف المنطقة وجغرافيتها جيدا.
الرسالة التي اراد الرئيس الاسد ارسالها الى واشنطن تنطوي على استعداد واضح للتعاون بقوة على الارض مع الجهود العسكرية الامريكية ضد “الدولة الاسلامية”، ويبدو ان ادارة اوباما التقطتها بسرعة، وطلبت من موسكو تهيئة الاجواء لمفاوضات مباشرة مع الحكومة السورية.
المعارضة السورية التي كانت آخر من يعلم، وهذا ليس مفاجئا، ادركت بدورها ان المعادلات تتغير بسرعة، وان الحليفين الامريكي والعربي تخليا عن مخططاتهما لاسقاط النظام السوري وتسليمها السلطة بالتالي، وهذا ما يفسر حجيج معظم قياداتها الى موسكو، واستعداد بعض فصائلها المقاتلة (جيش الاسلام بقيادة زهران علوش) للتفاوض مباشرة مع النظام السوري.
“طبخة بوغدانوف” اوشكت على النضوج على نار غير هادئة، والضيف الامريكي الذي سيحط الرحال في موسكو للتفاوض مع النظام السوري سيكون الاكثر حرصا على تذوقها وربما التهام الجزء الاكبر منها، بعد ان فشلت استراتيجية بلاده في اطاحة النظام او هزيمة “الدولة الاسلامية” معا.
***
الرئيس اوباما اطاح بوزير الدفاع الامريكي السابق تشاك هيغل لانه كان يريد (اي هيغل) توجيه الطائرات الحربية الامريكية لقصف القصر الجمهوري في دمشق جنبا الى جنب مع مواقع “الدولة الاسلامية” كنواة لاستراتيجية في المنطقة، ولكن الرئيس اوباما كان يضمر شيئا آخر.
الادارة الامريكية تفاوضت مع ايران وتوصلت الى تسوية مؤقتة معها حول برنامجها النووي، ورفعت الحصار جزئيا عنها، بعد ان توقع الكثيرون ان المواجهة العسكرية بين الطرفين كانت قاب قوسين او ادنى، وافرجت عن المليارات من اموالها المجمدة، ونسقت معها في ضرباتها ضد مواقع “الدولة الاسلامية” شرق العراق، فمن المنطقي ان تتفاوض وتنسق مع الرئيس الاسد الحليف الاوثق لايران.
اذا صح هذا الافتراض، وهو يبدو صحيحا حتى الآن على الاقل، فإن امريكا ربما تكون في طريقها للتخلي عن حلفائها في المعارضة السورية “المعتدلة”، وقررت الاستعانة بالنظام لانجاز خطتها في القضاء على “الدولة الاسلامية”، والاعتماد بالتالي على الحلف الروسي الايراني السوري في هذا المضمار.
اين حلفاء المعارضة السورية من العرب، واين امبراطورياتهم الاعلامية وتعبئتها على مدى السنوات الثلاث الماضية للحرب لاسقاط النظام السوري؟ ولماذا لم نر ضيفا واحدا من هذه المعارضة ولو بصيغة مراقب بين صفوف المدعوين؟
الاجابة موجودة في سطور بيان القمة الخليجية التي انعقدت لمدة ساعتين في الدوحة، والفقرة المتعلقة بالازمة السورية على وجه الخصوص، ولكل من يريد التعرف عليها.

الرئيس عباس يماطل ويناور لتجنب اتخاذ قرار بوقف التنسيق الامني مع الاحتلال كرد على استشهاد الوزير ابو عين.. و”فتح” مطالبة بالتحرك لوقف هذه “المهزلة” ارتقاء لمستوى الغضب الفلسطيني وانتصارا لدماء الشهداء وحرمة الارض

عبد الباري عطوان

نستغرب هذه المماطلة من قبل السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس وعدم اتخاذ اي قرار حاسم وسريع بوقف التنسيق الامني مع الاحتلال الاسرائيلي فورا كرد على جريمة قتل الشهيد زياد ابو عين وزير شؤون مكافحة الاستيطان ولجوئها الى اساليب التهرب والتسويف من خلال القول بانها ستستمر في حال انعقاد مفتوح حتى يوم الجمعة لبحث ودراسة تداعيات هذه الجريمة.
هذه الاجتماعات المفتوحة لقيادة السلطة او مجلس الوزراء تعني محاولة “امتصاص” الغضبة الشعبية التي تجتاح الضفة الغربية وقطاع غزة، ومحاولة “تبريد” الموقف، تمهيدا لتجنب اتخاذ اي قرار فعلي يرتقي الى مستوى هذه الغضبة، ويشكل ردا حاسما على هذا التمادي الاسرائيلي في سفك دماء الشعب الفلسطيني.
سمعنا اصواتا لمسؤولين “فلسطينيين” تطالب بالتهدئة، وتجنب التصعيد لعدم وضع اي عراقيل في طريق جهود السلطة للذهاب الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار بوضع سقف زمني لانهاء الاحتلال الاسرائيلي، وهي اصوات تبيع الوهم والخنوع والاستسلام للشعب الفلسطيني والامتين العربية والاسلامية معا، وتعيش في بيوت “عاجية” منعزلة كليا عن الجماهير البسيطة والوطنية التي تشكل ملح الارض، ونبضها الحقيقي.
***
الشهيد ابو عين قدم حياته دفاعا عن الكرامة الفلسطينية التي اذلها التنسيق الامني مع الاحتلال الاسرائيلي، وهو التنسيق الذي وفر الحماية للاستيطان، ولاكثر من 800 الف مستوطن يتزايدون بشكل متسارع في الضفة الغربية والقدس المحتلين، بينما نحن نلهث خلف المجتمع الدولي، ونتسول عطفه وامواله، ونتحول الى اكبر شعب متسول في التاريخ.
اعلان الحداد ثلاثة ايام، واغلاق المدارس، وتنظيم جنازة شعبية ضخمة للشهيد، يتقدمها رئيس السلطة، كلها اجراءات لا تكفي وحدها، ولا تلبي الحد الادنى من مطالب الشعب الفلسطيني، ولا بديل عن وقف التنسيق الامني ومطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين امام المحاكم الدولية، والعودة الى المقاومة بأشكالها كافة، فقد طفح الكيل، واسرائيل لا تفهم اي لغة غيرها.
الاسرائيليون يكذبون كعادتهم دائما ويزورون الحقائق، ويلفقون الروايات الكاذبة لتبرئة انفسهم من المجازر التي يرتكبونها في حق هذا الشعب الفلسطيني وخداع العالم، والانكى من ذلك انهم يحاولون تسويق هذا الكذب للسلطة الفلسطينية وبعض مسؤوليها الذين يصفهم الاحتلال بـ “الحكماء” و”العقلاء” و”المعتدلين” ونحن نصفهم بالمتواطئين مع الاحتلال وجرائمه.
الشهيد ابو عين فقد حياته، واستشهد بسبب الغازات السامة الاسرائيلية، والضرب على الرأس بأعقاب البنادق، ولم يستشهد اثر ازمة قلبية، وحتى لو استشهد فعلا بسبب هذه الازمة، فإنها نتيجة لهذه القنابل الغازية، ونقول هذا رغم ان التشريح الرسمي لجثمانه الطاهر اكد عكس ذلك، وثبت جريمة القتل ضربا على الرأس بهدف القتل، ثم ليس هو الشهيد الاول ولن يكون الاخير، واغتياله بهذه الطريقة البشعة وهو يدافع عن اشجار زيتون هو تأكيد اضافي على عناد هذا الشعب وعنوان على شجاعته ورجولته واصراره على استعادة ارضه ونيل الاستقلال الحقيقي وليس المزور الذي ذقنا علقمه في اتفاقات اوسلو المخجلة.
الم تحاول آلة الدعاية الاسرائيلية الكاذبة تبرئة اسرائيل وجيشها من استشهاد الطفل محمد الدرة، الم تروج لرواية وقحة ومعيبة حول إستشهاد الرئيس الفلسطيني الرمز ياسر عرفات بمرض “الايدز″، الم تدعي ان مدارس الاونروا التي قصفتها، وقتلت اطفالها ونسائها الذين لجأوا اليها، واحتموا بها، اثناء العدوان على قطاع غزة، كانت تحوي مخازن للصواريخ وهو ما نفته الوكالة نفسها بقوة؟
***
حركة “فتح” التي ينتمي اليها الشهيد ابو عين مثلما ينتمي الى كل الشعب الفلسطيني وامته العربية، مطالبة بأن تنتصر لشهيدها وتطالب قيادتها بالكف عن التسويف والمماطلة والتهرب من الرد على هذه الجريمة التي راح ضحيتها انسان كان يدافع عن الارض وكرامتها وزيتونها في وجه عدو عنصري حاقد مجرم، يجب ان تتصدى لهذه القيادة وتضع حدا لسياساتها المتخاذلة التي اساءت اليها والشعب الفلسطيني بأسره.
هذه الحركة التي اطلقت الرصاصة الاولى وثبتت الكيانية الفلسطينية، وقادت المشروع الوطني لاكثر من اربعين عاما، يجب ان ترتقي الى مكانتها وارواح شهدائها، وتاريخها المقاوم المشرف، وتفرض على السلطة ورئيسها الرد العملي على هذا الاجرام الاسرائيلي، بالتعاطي معه على اساس انه عدو غاصب وقاتل لا يجب التنسيق معه وحماية مستوطنيه ومستوطناته، والتصدي له بالقوة التي يستحق.
نخاطب حركة “فتح” بعد ان يئسنا والملايين غيرنا، من مخاطبة الرئيس عباس وسلطته، ولان هذه الحركة وشرفاءها هم الذين يقدمون له الغطاء، والحماية، والشرعية التنظيمية، فاذا كانت حركة تحرير وطني فعلا، وهي كذلك في رأينا، عليها ان تقلب الطاولة على هذه السلطة وكل “المحنطين” في صفوفها الذين خطفوا القرار الوطني والمشروع الوطني الفلسطيني، واوصلوا القضية العربية الاولى الى هذا الوضع المهين والمزري.

اقصر القمم الخليجية في التاريخ تعيد قطر الى “الحضن المصري” وتأكيد المصالحة مع السيسي.. هل يعني هذا “الطلاق البائن” مع الاخوان.. وتغيير نهج شبكة “الجزيرة”.. وفك التحالف مع اردوغان؟

عبد الباري عطوان

ستدخل قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت واختتمت اعمالها مساء اليوم (الثلاثاء) كتاب “غينيس″ للارقام القياسية لكونها القمة “الاقصر” في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، فلم تستغرق مدة انعقادها غير ساعتين، واقتصرت على ثلاثة خطابات رئيسية، اولها لرئيسها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير الدولة المضيفة، وثانيها للشيخ صباح الاحمد امير الكويت رئيس القمة السابقة، وثالثها للسيد عبد اللطيف الزياني الامين العام للمجلس، ولكن قيمة القمم، عربية كانت او خليجية، لا تنحصر في مدة انعقادها، وانما بالقرارات المهمة التي تصدر عنها، وانعكاساتها على مصير الدول المشاركة فيها، واجنداتها، ومواقفها السياسية، ويمكن القول ان قمة الدوحة، ونتائجها جاءت استثناء، فعندما يؤكد بيانها الختامي الذي اقره زعماء المجلس على “الدعم التام لمصر ولرئيسها عبد الفتاح السيسي وبما يحقق استقرارها وازدهارها” فإن هذا يعني صراحة، ودون اي مواربة، ان العقبة الرئيسية التي كانت تقف امام حل الخلافات الخليجية قد “ازيلت”، وان دولة قطر “مثلت” لشروط المصالحة جميعا، وقررت العودة الى السرب الخليجي، والتغريد من داخله باللحن السياسي نفسه وربما بحماسة اكبر، فقطر تريد دائما ان تكون مختلفة عن غيرها.
***
دعم دولة قطر للرئيس المصري السيسي وبرنامجه السياسي المتمثل في “خارطة الطريق” و”وقوفها التام مع مصر، حكومة وشعبا، من اجل استقرارها وازدهارها”، “تحول” في الموقف القطري ستترتب عليه، اذا ما كان نهائيا، العديد من “الالتزامات” و”المتغيرات” نختصرها في النقاط التالية:
ـ اولا: تخلي قطر كليا عن دعم حركة “الاخوان المسلمين” سياسيا وماليا واعلاميا، وابعاد جميع قيادات الحركة من الصفين الاول والثاني الذين يقيمون في الدوحة حاليا، او الزامهم بعدم الاقدام على اي انشطة سياسية معادية للنظام المصري، وعلى رأس هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوي رئيس اتحاد كبار علماء المسلمين.
ـ ثانيا: حدوث تغيير جذري في تغطية قنوات شبكة “الجزيرة” المتعددة للملف المصري وخاصة “الجزيرة مباشر”، ووقف كل الهجمات الاعلامية ضد الرئيس السيسي وحكمه وسياساته، وانتهاج تغطية للحدث المصري اقرب الى اسلوب منافستها قناة “العربية”.
ـ ثالثا: تقديم مساعدات مالية، او اعادة المساعدات التي تم سحبها او اعادتها، الى الخزينة المصرية، سواء بمبادرة سريعة، او من خلال المشاركة في مؤتمر للدول المانحة، دعا اليه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في خطاب رسمي ارسله الى الرئيس السيسي بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية واعتبر فيه ان من لا يقدم الدعم لمصر “ليس منا ونحن لسنا منه”، في رسالة واضحة الى قطر في حينها، وكانت دولة قطر قدمت اكثر من عشرة مليارات دولار لمصر في زمن الرئيس محمد مرسي الذي اطيح به بإنقلاب عسكري، اعادت حكومة السيسي معظمها للخزينة القطرية حردا وتحديا.
ـ رابعا: خروج قطر جزئيا او كليا، من الحلف الثنائي مع تركيا ورئيسها رجب طيب اردوغان، خاصة الشق المتعلق منه بكل من الملفين المصري والليبي، مع احتمال بقاء الشق المتعلق منه بسورية والمتمحور حول اطاحة نظام الرئيس الاسد، فالدولتان دعمتا حركة “الاخوان” في مصر، ووقفتا مع التيار الاسلامي في ليبيا، وبالذات قوات “فجر ليبيا” في مواجهة كتائب الزنتان (القعقاع والصواعق) وجيش اللواء خليفة حفتر والبرلمان الليبي المنتخب ومقره مدينة طبرق شرق البلاد.

***

لا نعتقد ان هذا التحول في الموقف القطري جاء مفاجئا او وليد الساعة، بل جرى الاتفاق على كل تفاصيله في قمة الرياض الاستثنائية، التي انعقدت الشهر الماضي واصدرت اتفاق الرياض “التكميلي” الذي صدر عنها، بناء على دعوة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، فقد كان واضحا ان الاتفاق على دعم مصر السيسي هو الشرط الاساسي لانعقاد قمة الدوحة، ومشاركة الجميع فيها في موعدها ومكانها، وعودة السفراء الثلاثة (السعودية، الامارات، والبحرين).
ما هي الخطوة التالية بعد مفاجآت قمة الدوحة؟
من الصعب استباق الاحداث، ولكن مثلما ادى الاتفاق على بنود قمة الرياض الاستثنائية الى قيام الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة الاماراتية، والخصم الاشرس لقطر، بزيارة مفاجئة الى الدوحة على رأس وفد كبير للتأكيد على طي صفحة الخلافات معها، فإننا لا نستبعد ان يقوم الشيخ تميم امير دولة قطر بزيارة “اخوية” الى مصر على رأس وفد قطري كبير ايضا لتأكيد المصالحة وطي صفحة الماضي وكل ما فيها من “شوائب” وما اكثر الاخيرة.
الدوحة ظلت، وعلى مدى ربع القرن الماضي، مصدر “المفاجآت”، وقمة مجلس التعاون الخليجي وبيانها الختامي جاء على النهج نفسه، ولكن في “الاتجاه المعاكس″.
قطر تعرضت لعملية “ترويض” ممنهجة شاركت فيها مراكز قوى عربية وخليجية ودولية اعطت ثمارها في النهاية فيما يبدو.. ولكن هل سيأتي التغيير طويل الامد ام قصيره؟
الاجابة في رحم المستقبل المنظور.

اكتب لكم من بيروت ولكن عن سورية ولاجئيها الذين يشكلون القلق الاكبر الذي يوحد غالبية اللبنانيين وهم المختلفون دائما.. والحديث عن زوجات البغدادي والشيشاني المعتقلات يطغى على الاستعداد لحفلات رأس السنة.. اهلا بكم في لبنان

عبد الباري عطوان

من يزور بيروت هذه الايام يعتقد انه في مدينة اسكندنافيه تستعد للاحتفال بأعياد الميلاد، وليس عاصمة بلد تشهد حدوده، او بعض منها، معارك طاحنة، بين قوات الجيش وجماعات اسلامية “جهادية” متشددة، ونحن هنا لا نتحدث عن الموضوع القديم المتجدد اي مشاركة قوات تابعة لحزب الله الى جانب قوات الجيش السوري مع هذه الجماعات، وانما جبهة ملتهبة جرت جيشا زاهدا في الحروب الى اتونها.
الحركة في العاصمة اللبنانية تأخذ طابعا صاخبا، المطاعم مليئة بالرواد وكذلك المقاهي، وزحمة السير خانقة، واشجار اعياد الميلاد المزينة بالاضواء من مختلف الالوان، تطل برأسها في كل مكان (باستثناء الضاحية الجنوبية طبعا)، وعليك الانتظار لعدة ايام كي تحصل على مقعد في الطائرات المتوجهة الى مطار بيروت. اما معرض بيروت الدولي للكتاب الذي كنت احد ضيوفه فشهد اقبالا غير مسبوق، وزحام خانق، وزواره من العرب الذين لم يعبأوا بتحذيرات حكوماتهم يمكن رصدهم بسهولة لكثرتهم، وخاصة من دول الجوار.
هذا الصخب اللافت من الصعب ان يخفي “حالة قلق” تسود اللبنانيين، ولم ينجح مقدم الاعياد في طمس معالمها، قلق من عودة السيارات المفخخة انتقاما لاعتقال الجيش زوجتين لزعيمي اخطر تنظيمين “جهاديين”، الاولى السيدة سجى الدليمي الزوجة السابقة للسيد ابو بكر البغدادي، زعيم “الدولة الاسلامية” واولادها، والثانية علا متقال العقيلي زوجة السيد ابو علي الشيشاني احد ابرز القادة العسكريين “لجبهة النصرة”، وتهديد الاخير بانتقام مزلزل، اذا لم يتم الافراج عن عقيلته فورا في تسجيل مصور انتشر بكثافة على (اليوتيوب).
***
اللبنانيون، ومن مختلف الاديان والطوائف يلتفون بقوة هذه الايام حول جيشهم دون تحفظ، ويضعون كل خلافاتهم جانبا، ويريدون عودة جنودهم “المخطوفين” سالمين الى اسرهم، ويبكون الجندي الشاب الذي قتلته جبهة النصرة انتقاما وتحذيرا، او الآخرين الذين سقطوا في كمين (سبعة جنود)، ولكن قلة قليلة تهمس في المجالس الخاصة بـأن الجيش ما كان يجب ان يسرب اخبار اعتقال السيدتين على الحدود، وكان عليه معالجة امرهما بعيدا عن الصحافة، ولكن هناك في المقابل، وهؤلاء اغلبية، يطالبون بصوت اعلى باعدامهن لانهن “ارهابيات” وليكن ما يكون.
يتوحد معظم البنانيين ايضا، مسلمين كانوا او مسيحيين، سنة او شيعة، على رعبهم من تفاقم اعداد اللاجئين السوريين الى بلادهم ووصولها الى ما فوق المليوني لاجيء، ويتساءلون بقلق عن خطر هذا “التسونامي” الزاحف تجاه بلدهم واين سيتوقف العد، وعندما تقول للقلقين منهم ان السوريين اشقاؤكم وفتحوا لكم بيتهم وقلوبهم ايام الحرب عام 2006، مثلما فتحوها للعراقيين وكل مستجير، يردون بأن سورية دولة كبيرة، بينما لبنان بلد صغير لا يمكن ان يستوعب هذه الاعداد الضخمة في ظل تعاطف عالمي محدود، واعراض جانبية بدأت تعكر صفو استقراره وتركيبته الاجتماعية والسياسية، ويضربون امثلة كثيرة في هذا المضمار لا يتسع المجال لذكرها.
الملف السوري بجوانبه العسكرية والسياسية والانسانية هو المسيطر، فعندما كنت في بيروت تصدرت زيارة ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي العناوين الرئيسية للصحف ونشرات اخبار محطات التلفزة اللبنانية، وبرامجها الحوارية والاخبارية وما اكثرها، واللقاءات التي اجراها مع معظم السياسيين اللبنانيين وخاصة اللقاء “السري” مع السيد حسن نصر الله الامين العام لحزب الله، والسيد نبيه بري رئيس البرلمان وقادة فريق الرابع عشر من آذار وفريق 8 ايار.
تسأل اللبنانيين عن هذه الزيارة، فيتطوع الكثيرون بإعطاء شرح مفصل عن الدور الروسي ومحاولة القيادة الروسية استطلاع الحقائق، وجمع الافكار حول كيفية الخروج من المأزق السوري، والاستفادة من دروس الازمة اللبنانية، ويذهب بعضهم الى الحديث عن “طائف” سوري يتبلور في اطار حل سياسي للازمة السورية من خلال حجيج مسؤولين سوريين وعناصر قياديه معارضة الى موسكو بكثافة هذه الايام، حيث تلعب موسكو الدور نفسه الذي لعبته الرياض او تحاول.
وتتزامن زيارة بوغدانوف مع “حراك” على جبهة اخرى بقيادة ستيفان دي ميستورا مبعوث الامم المتحدة الى سورية، الذي يريد تجميد الصراع المسلح في حلب، وتقسيمها الى حلب شرقية واخرى غربية، واحدة تحت سيطرة النظام واخرى تحت سيطرة المعارضة، ويفتي بعض السياسيين اللبنانيين بأن المبعوث الدولي استلهم هذه الفكرة من التجربة اللبنانية، وتقسيم بيروت على النموذج نفسه لفترة انتقالية لبضعة اشهر او سنوات ثم عودتها الى وحدتها الطبيعية، فعندما هدأت المدافع في بيروت وبدأت مسيرة التعايش تنطلق وتتهاوى امامها خطوط التماس هدأ لبنان كله.
اتفاق “الطائف” اللبناني جاء بعد 15 عاما من الحرب الاهلية، وبعد وصول طرفي الحرب الى مرحلة الانهاك التام واستعدادهما للقبول بالحل السياسي وتقديم تنازلات “مؤلمة” من بينها تعديل الدستور للخروج من هذا المأزق الدموي، فهل وصلت اطراف الصراع في سورية الى هذه القناعة وبدأت تتحلى بالبراغماتية؟
هناك من يجيب بنعم كبرى، ويؤكد ان النظام والمعارضة في سورية باتا على قناعة بضرورة شرب كأس “سم الحل السياسي”، والتوحد بالتالي في مواجهة الخطر الاكبر الذي يهددهما معا، اي الاسلام السياسي المتشدد، وابرز عناوينه “الدولة الاسلامية” وشريكتها “السابقة” في الايديولوجية “جبهة النصرة” اللتين تشكلان تحالفا غير معلن لتغيير الحكمين في لبنان وسورية معا وتغيير، بل نسف، خرائطهما السياسية والاجتماعية والجغرافية، واعادة رسمها مجددا وفق معاييرهما الايديولوجية.
مسؤول لبناني كبير قال لي “سورية تحارب على ثلاث جبهات، الاولى ضد “الدولة الاسلامية” واخواتها، والثانية معركة الحفاظ على النظام ومؤسساته بعد ثلاث سنوات من الحرب، وفي ظل حصار اقتصادي خانق، والثالثة حول كيفية التعاطي مع حرب باردة على ارضها بين القوتين العظميين روسيا وامريكا، ولهذا ربما تتحلى القيادة السورية ببعض المرونة تجاه الحلول السلمية خاصة ان من يقود سفينتها هذه الايام حليفها الروسي، مضافا الى ذلك ان حلفاءها الروس والايرانيين يواجهون حربا نفطية تستهدفهما وادت الى انخفاض عوائدهم بأكثر من 40 بالمئة بسبب اغراق السعودية وحلفائها في الخليج الاسواق بفائض يزيد عن مليون برميل انتقاما من دورهما في سورية والعراق واوكرانيا.
احد القادمين من دمشق، واثق كثيرا في معلوماته قال لي ان “المرونة” غير موجودة على الاطلاق في اوساط اهل النظام السوري وعظام رقبته، وان الدائرة الضيقة في الحكم تشعر بحالة من القلق من هذه التحركات الروسية، وما زالت تنظر بعين الريبة الى السيد معاذ الخطيب الذي يعتبر اكثر قادة المعارضة السورية “برغماتية” واعتدالا، وصاحب الخط الثالث في المعارضة السورية المستعد للتفاوض مباشرة مع النظام، وان مسؤولا سوريا كبيرا ابلغه ان سورية لا يمكن ان تنسى او تغفر له جلوسه على مقعدها في قمة الدوحة العربية قبل عامين تقريبا، وامام علم “الثورة” ومخاطبة الملوك والرؤساء والامراء من على منبرها.
المصدر نفسه ربط بين الغارات الاسرائيلية التي اعلنت عنها الاحد السلطات السورية وقصفت اهدافا في دمشق ودون وقوع اصابات، وما يقال في الوقت نفسه عن اتساع دائرة التعاون بين تل ابيب وجماعات سورية معارضة في الجولان السوري، وتوجيه رسائل الهدف منها الضغط على اصحاب الحل والعقد في دمشق بضرورة اتباع المرونة وانجاح الجهود الدولية، لان المنطقة والعالم، لم يعودا يتحملان استمرار هذه الازمة السورية، وهو استمرار يصب في نهاية المطاف في مصلحة “الدولة الاسلامية” وحالة عدم الاستقرار في المنطقة.
***
اللبنانيون، “البيروتيون” منهم على وجه الخصوص، يتمنون نجاح جهود موسكو وبغدانوف ودي ميستورا، وجون كيري، او اي طرف آخر يخلصهم من تبعات وذيول الصراع السوري، واكثر من مليوني لاجيء سوري يتواجدون على ارضهم يتحولون بسرعة الى ازمة سياسية وديمغرافية على غرار اشقائهم الفلسطينيين الذين سبقوهم قبل 66 عاما، ولهذا يعارضون في معظمهم التوسع في اقامة مخيمات لجوء سورية جديدة، على غرار مخيمات عين الحلوة والبرج ونهر البارد التي اصبح بعضها دول داخل الدولة واماكن مغلقة يلجأ اليها بعض الهاربين من العدالة، على حد وصف زميل لبناني.
الزميل نفسه الذي يتمتع بظُرف نادر في اوساط المهنة هذه الايام قال في لحظة “تجلي” ان اللبنانيين تخلصوا من الجيش السوري، ولا يريدون عودته كجيش من اللاجئين، ويعتبره اخطر من نظيره العسكري ويجعل من وحدة سورية ولبنان امرا واقعا في نهاية المطاف، وربما لا يتفق معه البعض في “ظُرفه هذا”.
اللبنانيون قدريون، يقرأون الصحف في الصباح ويتابعون بعض نشرات الاخبار في مطلع المساء، ثم يسهر غالبيتهم الى ما بعد منتصف الليل، وينتظرون الحل السياسي للازمة السورية باعتباره املهم الوحيد في الخلاص، ويصلون في الفجر لبغدانوف ورئيسه سيرغي لافروف مهندس الدبلوماسية الروسية، ولا ينسون القادم الجديد دي ميستورا ايضا بدعواتهم لهم جميعا بالنجاح وبأقصى سرعو ممكنة.
الاعلان عن حفلات رأس السنة في الفنادق تتلألأ وتحتل لوحات مضيئة تزينها صور الفنانين والفنانات في كل مكان.. اللبنانيون شعب يحب الحياة وهو بلا شك اكثر من يستحقها في اعتقاده، ويؤجل هموم اليوم الى العام الجديد!
واهلا بكم في لبنان.

جريمة “المنقبة” الاماراتية سياسية ارهابية الدافع.. وذيول حروب المنطقة بدأت تمتد للخليج

عبد الباري عطوان
جريمة القتل التي ارتكبتها سيدة اماراتية منقبة واستهدفت سيدة امريكية، ليست جريمة قتل عادية مثل تلك التي تحدث في اماكن عديدة من المنطقة العربية والعالم، لان كل المعلومات التي بثتها وزارة الداخلية الاماراتية تؤكد ان دوافعها سياسية انتقامية، الامر الذي يؤشر الى امكانية توسع مثل هذه العمليات في المستقبل بالنظر الى التطورات الارهابية المرعبة التي تسود المنطقة في الوقت الراهن.
السيدة المنقبة اختارت مواطنة امريكية لذبحها في حمام وسط حي تجاري، كما زرعت قنبلة بدائية امام منزل مواطن امريكي آخر، مما يعني انها تستهدف اهدافا امريكية مما يوحي بأنها تنتمي الى احد الجماعات الاسلامية المتشددة، او تتعاطف معها، و”الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.
ما يجعلنا نتكهن بمثل هذا الافتراض اقدام خلايا سعودية على اطلاق النار على رعايا امريكيين واوروبيين في الرياض ومناطق اخرى قبل بضعة ايام، وتوجيه السلطات السعودية اصابع الاتهام الى “الدولة الاسلامية” بالوقوف خلف هذه الهجمات.
***
استهداف دولة الامارات بعد المملكة العربية السعودية ربما يعود الى اشتراكها بفاعلية في التحالف الستيني الدولي الذي اسسته الولايات المتحدة لمحاربة “الدولة الاسلامية” بهدف اضعافها تمهيدا للقضاء عليها، وقواتها في العراق وسورية.
السعودية والامارات وقطر شاركت في هذه الحرب بطريقة مباشرة او غير مباشرة، بما في ذلك توفير قواعد عسكرية لانطلاق الهجمات، او ارسال طائرات لشن غارات لتدمير آبار ومصافي نفط تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في منطقة الرقة السورية على الحدود مع العراق، ومن غير المستبعد ان تكون هذه المنقبة عضوة في احد خلايا هذه “الدولة” النائمة، او تنظيم “القاعدة” المركزي.
صحيح ان قوات الامن الاماراتية استطاعت القاء القبض على “المنقبة”، وتفكيك العبوة الناسفة التي زرعتها امام منزل مواطن امريكي آخر، الامر الذي يظهر كفاءة امنية عالية، ولكن الجريمة في حد ذاتها تقرع ناقوس الخطر، خوفا من كونها جزءا من مخطط يستهدف هز استقرار دول الخليج العربي التي ظلت في منأى عن اي اعمال عنف وارهاب طوال السنوات الماضية، رغم تدخلها المالي والعسكري في بعض بؤر الصراع الساخنة، بل الملتهبة في كل من ليبيا وسورية والعراق واليمن.
وسائل التواصل الاجتماعي باتت ميادين تحريض للشباب الخليجي على “الجهاد” في صفوف الجماعات المتشددة، وتفيد دراسات كثيرة بأن بعض الدعاة استغلوها لتجنيد الآلاف للانخراط في صفوف تنظيمات “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة”، ويكفي الاشارة الى التقديرات شبه الرسمية التي تفيد بأن اكثر من 5000 شاب سعودي يقاتلون حاليا الى جانب “الدولة الاسلامية” وينخرط معظمهم في وحدات “انتحارية” او استشهادية حسب ادبيات هذا التنظيم.
الذين قاموا بتجنيد هذه “المنقبة” وحددوا لها اهدافها بشكل دقيق يريدون هز استقرار دولة الامارات، واثارة “الفزع″ في صفوف مواطنيها والمقيمين فيها، والاجانب منهم على وجه الخصوص، وما زال من المبكر القول بأنهم حققوا اهدافهم في هذا الصدد.
***
انها جريمة بشعة تبعث على القلق كيفما نظرت اليها، فدول الخليج ظلت، باستثناء البحرين والمملكة العربية السعودية بعيدة عن الحروب الاهلية ذات الطابع المذهبي، والصراعات على السلطة في اكثر من بلد عربي، يبدو لم تعد محصنة من وصول بعض ذيولها بشكل مباشر او غير مباشر.
الازدهار الاقتصادي الذي عاشته هذه الدول يعود بالدرجة الاولى الى امرين اساسيين، الاول عوائد النفط المجزية، والثاني الامن والاستقرار، واذا كان انخفاض الاول نتيجة تراجع اسعار النفط لا يؤثر عليها كثيرا بسبب احتياطاتها المالية الهائلة، فإن استهداف امنها واستقرارها سيكون له تاثير سلبي كبير دون ادنى شك.
المنطقة العربية كلها تقف حاليا على فوهة بركان من العنف والصراعات المذهبية، وبداية حممه تجلت بوضوح من الفوضى الدموية التي نراها في ليبيا وسورية والعراق واليمن، ويبدو ان دائرتها بدأت تتسع لتصل الى دول جوار الصف الثاني التي اعتقد الكثيرون انها في مأمن.
وربما يجادل البعض ان جريمة “المنقبة” هذه ربما تكون حادثة فردية ولذلك من الخطأ الذهاب بعيدا في تأويلها وتضخيم نتائجها بالتالي، وهذا الجدل فيه جانب من الصحة، ولكن معظم الاحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة، وهزت استقرار بعض دولها، بدأت على هذه الصورة، وثبت لاحقا ان هذه الهجمات الفردية هي قمة جبل الثلج المخفي تحت سطح الماء، ونأمل ان نكون مخطئين في تشاؤمنا هذا.